ما قبل التعاقد .. لا ينسخه العقد

 

تحتارُ إذا استمعت في مجلس القضاء لمتخاصمَين يتمسك كل منهما بتنفيذ العقد, وجلّ مرافعاتهما القضائية تتركز على ما كانا يتفاوضان عليه قبل التعاقد!

تزول الحيرة بمعرفة أن الاتفاقيات التجارية تمرُّ بثلاث مراحل من حيث الإجمال: مرحلة ما قبل التعاقد, ثم توقيع العقد , وأخيراً تأتي الثمرة في المرحلة الأخيرة بتنفيذه .

وإذا كانت المرحلتين الثانية والثالثة, لهما حظ من الاهتمام عند الكثير من رجال الأعمال والكيانات التجارية, فالمستحسن لفت النظر إلى أهمية مرحلة ما قبل التعاقد, وتأثيرها على تنفيذ العقد.

التصوّر الذهني للعقد عند أطرافه هو ما تشكّل في مرحلة العروض والتفاوض عليها, وهو أساس المرحلة الثانية التي يُنقل فيها هذا التصور إلى قالب مكتوب في هيئة عقد موثّق.

 والأصل أن صياغة العقد أن تكون معبرة عن التصوّر الذهني , وفي حالات قد يكون تصوّر أحد أطراف العقد مغاير لتصوّر الآخر, و قد تأتي الصياغة محتملة لكلا التصورين من حيث المعنى اللغوي.

مرحلة ما قبل التعاقد قد يكون فيها ما هو مناقض له مما اتفق الأطراف على تركه, و لكن إهمال استحضارها عند صياغة العقد ربما يؤثر على العقد نفسه؛ لكونها تكشف حقيقة ما تعاقد عليه أطراف العقد وما اتفقوا على استبعاده.

وصائغ العقد يتردد بين الإطالة حين يشير إلى خلفيات التعاقد, وبين إهمال هذه المرحلة وتركها توقاً إلى الإيجاز, وخبرته في صياغة العقود والتعامل مع إشكالياتها هي الفيصل في تحديد المؤثر منها في فهم العقد وتفسيره.

 وفي غالب الحال يستحسن التنصيص في العقد على عدم اعتبار ما قبله من مفاوضات وعروض وخطابات سابقة للعقد, أو تحديد المعتبر منها مع النص على عدم اعتبار ما سواه. حذرٌ لا يغني من قدر , ولكنه درهم وقاية.

ياسر بن عبدالعزيز المسند