العلاقة بين القضائين النافذ والواقف

القضاء والمحاماة بهما تُحمى الحقوق وتصان الحريات، ولذا فإن تطويرهما والحرص على تحقيق الانسجام الكبير بينهما في غاية الأهمية، فضلا عن أن حيوية المرفق القضائي وارتباطه الوثيق بالمحاماة يجعل من دراسة واقع العلاقة بينهما واستشراف مستقبل تلك العلاقة والسعي الجاد لتطويرها يُسهم في إشاعة العدل وحفظ الاستقرار ودعم التنمية داخل المجتمع. وهذا التطوير لا يُعفى أحدٌ من المشاركة فيه، بدأ بالجهات التشريعية والتنظيمية، وانتهاء بالقضاة والمحامين أنفسهم.
إن من يتأمل بإنصاف واقع العلاقة بين القضاء والمحاماة يجد عددا كبيرا من الظواهر الإيجابية للتكامل بينهما، إلا أنه لن يجاوز هذا الرصد دون أن يلفت انتباهه حالة من الترقب في أحيان أخرى. وهذه الحالة لها ما يسندها عبر وقائع معينه ، تاريخيةٍ أو معاصرة.

والواجب في هذا المقام أن تقدر الأمور بقدرها في الواقعة وزمانها وأفرادها؛ إذ لا يجوز بحال أن يتم طرد واقعة معينة على جميع الوقائع، ولا زمن معين على جميع الأزمنة، ولا أن يتجاوز الخطأ الفردي صاحبه الذي وقع فيه.وعليه فما يحمله تاريخنا من ذم لعمل الوكلاء في الخصومة لا يمكن طرده إلى زماننا هذا، وكذا ما يستقر في أذهان البعض كانطباع شخصي أو تحت تأثير واقعة معينة لا يجوز بحال الحكم من خلاله على جميع الوقائع والأفراد.فكما نُقل ذم الوكالة في الخصومة فكذلك نُقل الثناء على من أسهم من خلالها في نصرة المظلم ورد الحقوق كما هو مقرر في مشروعية الوكالة في الخصومة. ولا ريب أن ما جاء من الذم محمول على صور شارك فيها الوكلاء في إضاعة الحقوق أو أكلها بالباطل ، وتبقى صور الثناء مطلقة فيما سوى ذلك، وهو الشأن في كل مهنة حتى القضاء ذاته يحتمل الوصفين بالاعتبارين السابقين.

وتأكيدا لهذه العلاقة فإن نظام المحاماة السعودي أشار إلى انضمام القضاة السابقين للمحاماة ونظم ذلك، وهو الحال في عدد من دول العالم إذ يتم تعيين القضاة في بعضها من بين المحامين، ما يؤكد العلاقة المهنية بين القضاء والمحاماة .وفي بعضه الأخر يوجد تنسيق بين لجنة قيد المحامين والمؤسسة القضائية كلٌ بحسبه فاعتماد محامي النقض بمصر –مثلا- يتم من قبل لجنة مشكلة في محكمة النقض وبرئاسة رئيس محكمة النقض ذاتها.
وجميع القوانين تسع لترسيخ العلاقة من خلال اشتراطها في المحامي العدالة والأمانة والصدق والمؤهل والخبرة والتعامل الحسن وغيرها مما يفرضه عليه احترامه لمهنته.وتؤكد القوانين على واجبات متقابلة من خلال احترام المحامي للقاضي وتوقيره، وبالمقابل توجب على القاضي تمكين المحامي مما يحتاجه لأداء عمله..

ولا يفوت هنا تقرير فعالية المحامين في تلك العلاقة عن طريق التخفيف على كاهل القضاء من خلال دور يسبق الوصول للمحاكم سواء فيما يتعلق بالجانب الوقائي الذي يمارسه المحامي في المشورة القانونية التي تسبق الدخول في المعاملات أو توقيع العقود، وكذا من خلال الوسائل البديلة لفض النزاعات، وكذا نشر الوعي الحقوقي وترسيخه، وجميع ما يُمكن منه من التوثيق وغيره.

د. أحمد بن عبدالعزيز الصقيه